محمد أبو زهرة
2864
زهرة التفاسير
الحوادث في شئ ، كما قال تعالى : . . . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) [ الشورى ] . وإنه ليبدو لنا غير مفتاتين ، ولا مدعين ، أن قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ تعبير مجازى ، قصد به استيلاء اللّه تعالى على حكم هذا الذي خلقه فهو تشبيه سلطان اللّه تعالى فيما خلق من السماوات والأرض وما بينهما وتدبيره لهما ، وتسييره أمرهما - بمن يستوى على عرش ملك يدبره ويسير أمره ، ولله - سبحانه وتعالى - المثل الأعلى في السماوات والأرض . بعد ذلك وجه الأنظار إلى ما يجرى بين الناس كل يوم من ليل ونهار ، شمس وقمر ونجوم مسخرات بين السماء والأرض ، فقال عزّ من قائل : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ يغشى الليل النهار أي يجعل الليل غاشيا للنهار ؛ لأنه ظلام ، والظلام هو الذي يغشى النور ، وذلك في الحس ، فالظلام يجئ ويستر النور ، والنور يعقبه ، وكل ذلك في ترتيب مستمر ، وكأن كل واحد منهما يطلبه حثيثا « 1 » ، ولا يتخلف ، لا الليل يسبق النهار ، ولا النهار يسبق الليل كما قال تعالى : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 ) [ يس ] . وقوله تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي خلقهما ، ف « الشمس » معطوفة على « السماوات والأرض » - في يومين ، وقوله تعالى : وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي خلق اللّه - سبحانه وتعالى - النجوم مذللات بأمره ، تسير في مداراتها كل نجم يسير في مداره باستمرار بأمر اللّه تعالى ، وهذا يدل عليه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا . . . ( 41 ) [ فاطر ] فكل شئ يسير بأمر اللّه تعالى ، وهو على كل شئ قدير .
--> ( 1 ) حثيثا أي مسرعا حريصا . لسان العرب - حثث .